أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/236.jpg?v=1766066142&w=220&q=100&f=webp

عبداللطيف الضويحي

مأسسة الفوضى وتجارة المظلوميات..!

فصل جديد بدأت تتجلى ملامحه في المنطقة من خلال كشف أدعياء الحقوق وتُجّار المظلوميات عبر دكاكين الارتزاق في بعض دول المنطقة. ففي سوريا يسدل الستار على «قسد»، وفي اليمن يسدل الستار على «الانتقالي». لا أحد يقلل من الحقوق، لكن حجم الفظاعات الإنسانية التي تم ارتكابها في هذين البلدين، قادت وكشفت حجم الاصطفاف وراء أجندات خارجية وحجم الإثراء من اقتصاد الحروب الذي تحققه بعض الزعامات على حساب الفئات التي تتم المتاجرة بحقوقهم ومظلومياتهم.

المليشيات وتجارة الحقوق ودكاكين الارتزاق ثلاثية تتغذى بعضها من بعض، وتعمل كمنظومة واحدة في مناطق النزاع. فخلال سنوات ما بعد ما يعرف بالربيع العربي، ابتليت بعض الدول العربية بواجهات سياسية وعناوين فصائلية وزعامات حوّلت المطالب المحقّة إلى دكاكين للارتزاق والمتاجرة بحقوق الأقليات ومظلوميات بعض الفئات، فاختلط الحق العام بالإثراء الشخصي والشأن الداخلي بالأجندات الخارجية، وكل ذلك مدعوم بالمنصات الإعلامية الرقمية والكم الهائل من النشر والبث في شبكات التواصل الاجتماعي لسرديات أدعياء الحقوق وتجار المظلوميات السياسية والطائفية والعرقية والمناطقية الجغرافية، التي يتم المتاجرة بها في الغالب لتحقيق مصالح شخصية وأجندات خارجية.

لقد أثبتت الحكومة السورية الجديدة أنها الأحرص على حقوق الأكراد السوريين وليست «قسد»، فتجسّد ذلك من خلال القرارات الرئاسية، التي أعطت للمكوّن الكردي السوري حقوقه الثقافية، مثلما القيادات اليمنية الجنوبية أثبتت أنها الأحرص على حقوق الجنوب اليمني والجنوبيين، وليس عيدروس الزبيدي من خلال مشروعه، الذي أخذ القضية الجنوبية وانحرف بها عن مسارها، فأساء لحقوق الجنوبيين وتاجر بمظلوميتهم لتحقيق مصالحه الشخصية جنباً إلى جنب أجندات خارجية تمول مشروعه وتمده بالسلاح والخدمات اللوجستية.

لقد عمل عيدروس الزبيدي خلال السنوات الماضية على مأسسة العنف والفوضى والفساد في الجنوب اليمني من خلال مشروعه، لتمكين مشروعه المزعزع لأمن واستقرار اليمن والجزيرة العربية والإقليم. فقد صدم الرأي العام والمهتمون بالشأن اليمني بمشروع الزبيدي المليشياوي، فقد أثبت أن هذا المشروع لا يختلف عن بقية المشروعات الإرهابية لداعش وأخواتها في المتاجرة بحقوق الجنوبيين ومظلوميتهم لتوسيع مشروعه وفرضه على الجنوب والمنطقة وصولاً إلى السودان والصومال والقرن الأفريقي.

لقد أدرك العالم أجمع ودول الإقليم خاصة، أهمية توقيت التحرك السعودي لإجهاض مشروع الزبيدي، مثلما أدرك العالم والإقليم الحكمة والأناة والصبر والنفس الطويل الذي تمتعت به القيادة في المملكة خلال الفترة الماضية، فلكل مرحلة أدواتها وأساليب علاجها.

23:45 | 19-01-2026

الأزمة اليمنية وخوارزميات المشروع الاستعماري ..!

يمكن قراءة وتفسير ما يشهده ويعيشه العالم من نزاعات واضطرابات في مختلف مناطق العالم وتجاوزات غير مسبوقة للقانون الدولي والمؤسسات الدولية بأنه يعني احتضار النظام العالمي في استماتته للدفاع عن آخر حصونه الرأسمالية وقلاعه ومتاريسه الإمبريالية التي بناها مع نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي بلغ توحشها مداه مع سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة مطلع التسعينات من القرن الماضي، وصولاً للمرحلة التي يعيشها العالم هذه الأيام.

هناك من يقرأ أحداث العالم إقليمياً، ومن خلال محركات إقليمية للنزاعات الإقليمية تبعاً للقوى والموارد والصراعات في كل إقليم على حدة. هنا تكون قراءة المشهد في القارتين الأمريكيتين بمعزل عما تشهده القارة الأوروبية، أو ما تشهده منطقة أقصى الشرق، أو ما تشهده منطقتنا العربية الآسيوية والأفريقية. ففي كل إقليم من أقاليم العالم محركات إقليمية تشعل الحرائق والنزاعات تبعاً للمصالح الإقليمية والأخطار في ذات الإقليم بصرف النظر عن المؤثرات الدولية. وهذا ما يفسر اعتراف الكيان الاستعماري النازي في تل أبيب باستقلال أحد أقاليم دولة الصومال، وهي ذاتها التي أماطت الغموض عن استمرار الحرب العبثية الرامية لتقسيم السودان أو ليبيا، وهي ذاتها التي فضحت حلفاء الكيان في سوريا، مثل مليشيات قسد، ومليشيات الهجري في السويداء، وهو ذات المشروع الاستعماري الذي ضرب مؤخراً اليمن في جنوبه.

لكن هناك من يرى أن القراءتين السابقتين تتكاملان وتعملان سوية إقليمياً وعالمياً عند إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي صدرت مؤخراً، والتي أعادت تعريف موقع الولايات المتحدة الأمريكية أمنياً، وعسكرياً، واقتصادياً في العالم وفقاً لتنامي قوى عالمية منافسة، حيث حددت الإستراتيجية، وفقاً لذلك خارطة المصالح الأمريكية في العالم، وكان اللافت أنها تجاوزت مشروع العولمة؛ لأنه لا يحقق المصالح الأمريكية، حيث سبقتها تسونامي الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي على كثير من دول العالم، كما أن الإستراتيجية أعادت النظر بالالتزامات الأمريكية وتحالفاتها الدولية، وكان أبرز المتضررين هنا هو الاتحاد الأوروبي الذي يعيش أسوأ حالاته ومراحله، نتيجة لتغيّر أولويات الولايات المتحدة. كما فعّلت هذه الإستراتيجية على ما يبدو مبدأ مونرو، الذي يمنع أي قوة تسعى لأن تكتسب نفوذاً في نصف الكرة الغربي والمجال الأمريكي، وهو ما يقرؤه بعض المحللين في فهم الاعتداء الأمريكي الأخير على فنزويلا.

من أبرز وأحدث جبهات الصراع التي قفزت إلى الواجهة هي الأزمة اليمنية. وهي قضية ملحّة ومهمة لليمن وللأمن القومي العربي والملاحة البحرية في البحر الأحمر وبحر العرب وبحر عدن، وكان يجب أن يأتلف الإخوة اليمنيون ويصلون إلى حل لهذه الإزمة التي عانى منها الشعب اليمني في شماله وجنوبه.

لقد بذلت المملكة العربية السعودية جهوداً كثيرة ومتعدّدة في سبيل وضع حد لهذه الأزمة التي طال أمدها، وتفاقمت آثارها، ولا تزال تعمل بكل إخلاص على رعاية كل ما يؤدي لإنهائها. ومن المؤكد أن تبقى المملكة وفيّة ومخلصة لكل ما يحقّق أمن وسيادة واستقرار اليمن وازدهاره، وهو ما ينسجم ويلتقي مع أمن المملكة واعتباره خطاً أحمر.

اليمنيون هم من يقرّر مصير اليمن ولا أحد يتدخل في خياراتهم، وقد يكون مؤتمر الرياض للأشقاء اليمنيين فرصة ذهبية للفرقاء اليمنيين في هذه المرحلة التاريخية التي توقفت فيها مفاعيل القرارات الأممية وانتهى فيها دور القانون الدولي والمؤسسات الدولية، ويعيش فيها اليمن مفترق طرق خطرة، ما يتطلب درجة عالية من اليقظة والحذر من المشروع الاستعماري في المنطقة، الذي يقوم على تجزئة وتقسيم الدول العربية، وتهجير الشعب الفلسطيني إلى الدول المجزأة المنتظرة، واليمن أحد مستهدفات المشروع الاستعماريحسب المعطيات المتوفرة.

إن ما يقوم به الكيان الاستعماري في تل أبيب من افتعال حروب وأزمات في سوريا، والسودان، وليبيا، واليمن يؤكد أنه يستشعر الخطر القادم من الممولين له ورعاته في الغرب. فالأوروبيون عاجزون عن تمويل أنفسهم ويعيشون أزمة اقتصادية خانقة، ومنها عجزهم عن تمويل حربهم في أوكرانيا، ويعانون انقساماً حول مشروع السطو على أموال روسيا في البنوك الأوروربية.

أما الأمريكيون فقد أعلنوا من خلال إستراتيجية الأمن القومي بأنهم في حلٍ من التزاماتهم الدولية، وهذا يعني ضمنياً وقف دعم «الكيان» في تل أبيب، ربما على المدى المتوسط والبعيد، ناهيك عن الصورة الإجرامية القبيحة لإسرائيل في العالم، التي ربما جعلت نهايته قريبة رغم كل ما يتمتع به في الوقت الراهن، وهذا ما يفسر سلوك هذا الكيان في غاراته وهجماته هنا وهناك من منطقتنا في ذعر وهستيريا، بحثاً عن أمنٍ لا يستطيع أن ينعم به المجرم حتى لو امتلك أحدث السلاح وأقوى فيتو في مجلس الأمن.

00:08 | 6-01-2026

قانون تجريم الاستعمار.. بدأته الجزائر فهل تتبناه فلسطين ؟

أقرّ البرلمان الجزائري، الأسبوع الماضي، قانون تجريم استعمار فرنسا للجزائر الممتد ما بين عامَي (1830 - 1962)، ويعد قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر الاحتلال بأنه «جريمة دولة»، ويطالب فرنسا بتقديم اعتراف واعتذار رسمي، ويحمِّلها المسؤولية القانونية عن الفظاعات التي اقترفها الاستعمار الفرنسي والمآسي التي تسبّب بها، كما يأتي على الجرائم غير القابلة للتقادم، التي منها الإعدام خارج القانون، والإبادات الجماعية، والتعذيب، والاغتصاب، والترحيل، والتجارب النووية، ونهب ثروات الجزائر، مؤكّداً أن التعويض الشامل عن الأضرار المادية والمعنوية «حق ثابت للدولة والشعب الجزائري».

جاء يوم حساب المستعمرين وأصبح للاستعمار كلفة بالغة، إذا ما نجحت الجزائر بالدفع بقرارها وفرضه ضمن سياستها الخارجية، فالتقديرات الجزائرية تشير إلى أن جرائم الاستعمار أودت بحياة ما لا يقل عن 1.5 مليون شهيد، وفرنسا لا تزال ترفض تحمّل المسؤوليّة، رغم أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أقرّ مسبقاً بأن استعمار فرنسا للجزائر كان «جريمة ضد الإنسانية» لكنه لم يقدّم اعتذاراً.

رغم التساؤلات حول سبب تأخر هذا القرار، الذي تأجل مراراً، إلا أن التوقيت الجزائري والإقليمي والعالمي لهذا القرار يجعله بالغ الأهمية. فهذا القرار يدشّن مرحلة جديدة لتفكيك منظومة الاستعمار الأوروبي، كما يفكك ثقافة منظومة قبول الاستعمار، فمن المنتظر والمتوقع أن يُلهم قرار الجزائر كثيراً من الدول لتحذو حذو الجزائر لتصفية الاستعمار المباشر وغير المباشر وتحميل المستعمرين تكلفة جرائمهم.

تأتي أهمية توقيت القرار الجزائري؛ لأن العالم اليوم يعيش بلا قانون وتحكمه فوضى عارمة، بسبب أو نتيجة للمرحلة الانتقالية والتحوّلية ما بين نظامَين عالميَّين: نظام قطب واحد ينحسر ويتهاوى ويتداعى ويتشظى، ونظام تعددي جديد يتشكّل وينمو وتتسع قاعدته. نظام رأسمالي غربي يعاني من جفاف أخلاقي وشح في الموارد ويترنّح اقتصادياً، تجعل الفجوة تتسع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مقابل نظام عالمي أكثر عدلاً ولا يتعامل إلا بعملات أعضائه (منظمة شنقهاي) (مجموعة بريكس).

لعل دولة فلسطين والشعب الفلسطيني أكثر وأهم المستفيدين من توقيت القرار الجزائري بتجريم الاستعمار؛ لأن المتورط الأول والأبرز في معاناة الشعب الفلسطيني وكل الجرائم التي عانى ولا يزال يعاني منها الشعب الفلسطيني هي بريطانيا. صحيح أن الولايات المتحدة هي الداعم السياسي والعسكري والاقتصادي الأول للكيان الاستعماري في تل أبيب، وصحيح أن هناك العديد من العواصم الأوروبية المتورطة بدعم تل أبيب، لكن المسؤولية القانونية والأخلاقية الأولى والأبرز تقع على بريطانيا، التي لم تدفع حتى الآن تكلفة ما اقترفته من فظاعات في فلسطين والعديد من دول العالم.

يجب أن تتلقف القوى الفلسطينية الحية القرار الجزائري والبناء عليه باتخاذ قرار فلسطيني يجرّم الاستعمار البريطاني، ويطالبها بالاعتراف والاعتذار للشعب الفلسطيني عن الفظاعات التي ارتكبها الاستعمار البريطاني، وصولاً إلى الحملات القمعية التي تقوم بها الأجهزة البريطانية القمعية ضد البريطانيين الذين يتظاهرون ضد الإبادة الجماعية والتجويع التي يقوم بها الكيان الغاصب في تل أبيب وداعموه المستعمرون الغربيون.

لقد حان الوقت بأن تحذو جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي والمنظمات الحية حذو الجزائر بقرارها المهم بتجريم الاستعمار وفتح ملف الاستعمار على مصراعيه ومطالبة جميع المستعمرين بالاعتراف والاعتذار ودفع التعويضات خاصة بريطانيا في فلسطين.

00:01 | 30-12-2025

الابتكار وحوكمة سوق العمل أو انقراض اللغة العربية..

ما تحقّق للغة العربية من انتشار وتأثير في العالم هو نتيجة لأسباب دينية وتجارية وثقافية تاريخية، لا علاقة لها بالمؤسسات المختصة المعاصرة إلا فيما ندر. ما يقتضي مراجعة سياسات وإجراءات تلك المؤسسات انسجاماً مع متغيّرات قواعد اللعبة.

أغلب ما يبذل من جهد مؤسساتي أو فردي لخدمة اللغة العربية في الوقت الراهن، لا يخرج عن النظرة التراثية والمتحفيّة التقليدية الضيقة للغة العربية، والمبنية على أن اللغة العربية كائن شعري رومانسي يرمز له بمعلقات الشعر الجاهلي والمتنبي وجرير والفرزدق والأخطل وبعض الإبداعات العربية التاريخية مكتوبةً ومخطوطةً أو منقوشةً على الجدران واللوحات بخط الرقعة والنسخ أو الكوفي أو من خلال الشاشات داخل مبنى متحف محصن ومعزول عن المجتمع والحياة والشمس والهواء والتفاعل.

هذه الجهود -على أهميتها- لا بد أن ترى من زاوية أوسع لاستغلال الفضاء الإلكتروني وابتكار أدوات جديدة ومنهجيات عصرية للخروج باللغة العربية من المتحف إلى الشارع والمدرسة والسوق والمصنع والبنك والمجتمع.

لم توظف اللغة العربية في السياحة التي تعيشها كثير من البلدان العربية، ولم توظف العربية في المشروعات الاستثمارية العملاقة والمتعددة في بلادنا ولم توظف اللغة العربية في الإعلام الرياضي أو الإعلام التنموي والمالي والإعلام الغذائي والدوائي، ناهيك عن الغياب المطلق عن المؤتمرات والندوات التي تعقد لدينا أو نشارك بها في العالم، وكذلك الغياب عن إعلام المشاهير والتواصل الاجتماعي.

اللغة العربية بحاجة إلى الحماية كونها هوية وثقافة، لكن اللغة العربية بحاجة أكثر للدخول للابتكار والاستثمار، لا بد من التعامل مع اللغة العربية كأصل اقتصادي وأداة إنتاج ولغة سوق ولا بد من ربط مشروعات اللغة العربية بمؤشرات النمو ومؤشرات التوظيف والابتكار والتنافسية.

لكن الابتكار اللغوي لا يمكن أن ينجح إذا لم يقترن بمردود مهني ومادي، وهذا يعني أن تصبح العربية لغة تشغيل مؤسسي، بما يعنيه ذلك من بنية تحتية وأنظمة مراسلات داخلية وخارجية ذكية باللغة العربية ونماذج عقود بالعربية المبسطة ولوائح داخلية بلغة عربية واضحة وتبسيط مستديم للغة العربية الإدارية وتحويلها إلى لغة عملية مباشرة غير متكلّفة.

من هنا، تبرز الحاجة إلى مختبرات لغوية مؤسسية (Language Innovation Labs) داخل الوزارات والشركات الكبرى وصولاً لابتكار مصطلحات جديدة واختبار لغة المستخدم. هناك حاجة لمواءمة اللغة العربية مع التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي والخدمات الذكية مرجعية علمية مركزية للتقعيد والتحديث.

إن الحاجة اليوم تقتضي حضور الابتكار اللغوي في السوق والاقتصاد، ناهيك عن اتخاذ العربية ميزة تنافسية تجارية وتطوير علامات تجارية بأسماء عربية ذكية، مثلما أن الضرورة تقتضي تحسين لغة الإعلانات ووصف المنتجات وتجربة العميل وتحويل وتمكين العربية لتصبح عنصر ثقة وهوية محلية.

لا بد من تحفيز ريادة الأعمال اللغوية، من خلال دعم شركات تقنية لغوية (LanguageTech وتطبيقات تعلم العربية وأدوات كتابة وتصحيح ذكية وحاضنات أعمال متخصصة في المحتوى العربي، بجانب الابتكار الرقمي والتقني والاستثمار في معالجة اللغة العربية والمساعدات الصوتية العربية الترجمة الآلية بجودة عالية ودعم البيانات العربية المفتوحة مع شريك عالمي داعم للغات في العصر الرقمي مثل اليونسكو.

لا يمكن أغفال الابتكار في المحتوى الرقمي من خلال تشجيع البودكاست العربي والفيديو القصير والسرد التفاعلي، وهذا يستحسن استخدام العربية بأساليب معاصرة شبابية غير متكلّفة، وأن يشمل الابتكار المجتمعي والتعليمي كذلك بحيث يكون تعليم العربية بطريقة مبتكرة، ومنها مشاريع تطبيقية وكتابة محتوى مناظرات محاكاة إعلامية وتمكين الشباب كمبتكرين لغويين بالمسابقات مثل ابتكار المصطلحات والكتابة الرقمية والمحتوى الإبداعي ودعم المؤثرين الذين يستخدمون العربية بجودة عالية.

كما أن الركيزة الثانية الكفيلة بإخراج اللغة العربية من متحف الرومانسي للمؤسسات المعنية باللغة العربية هي الحوكمة والسياسات الداعمة بما يشتمل عليه ذلك من تشريعات تشجع الابتكار اللغوي وحوافز ضريبية للشركات المنتجة للمحتوى العربي وأولوية في العقود الحكومية للمحتوى العربي المبتكر جوائز وطنية للابتكار اللغوي.

اللغة العربية تزدهر حين تدخل السوق، وتُدرَّس بالمتعة، وتُستخدم في التقنية، وتُكافأ بالفرص.

لعل ذلك يتطلب إطاراً مؤسسياً يشمل ربما جهة مستقلة تُنسّق بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص، والتعليم، والإعلام، بالإضافة إلى مرجعية عربية مشتركة عبر إحدى مؤسسات جامعة الدول العربية لتوحيد المعايير والمصطلحات المهنية، بالإضافة لوحدات لغوية داخل الوزارات والهيئات تضمن الالتزام بالتطبيق اليومي، فالعربية لغة العمل الأساسية في العقود، الموارد البشرية، والمراسلات الداخلية مع السماح اللغات الأخرى عند الحاجة التشغيلية، دون إقصاء العربية، كما أن سياسات مشتريات حكومية لا بد أن تشترط دعم العربية في الأنظمة التقنية والبرمجيات، وكذلك معايير التوظيف لا بد أن تتطلب كفاءة لغوية مهنية بالعربية للوظائف الإدارية والقيادية.

أما الحوكمة داخل سوق العمل فتقتضي حوكمة الشركات، وذلك بإدراج الالتزام بالعربية ضمن مؤشرات ESG والحوكمة، واستخدام الحوافز بدل العقوبات مثل مزايا ضريبية/تصنيفية للشركات الملتزمة ونماذج تشغيل ثنائية اللغة العربية لغة أصلية، واللغة الأجنبية داعمة (لا بديلة).

00:04 | 23-12-2025

فلسطين وأوكرانيا.. تعدّدت الأزمات والحل واحد!

تتعقّد الأزمات وتستعصي على الحلول عندما يتم التعامل مع كل أزمة بمفردها، وبمعزل عمّا سواها من أزمات لها ربما ذات الجذور ويقف وراءها ذات المتسببين حتى لو اختلفت الظروف.

الأوروبيون هم المتسببون بأزمة فلسطين والأزمة الأوكرانية وهم المتسببون بالكثير من أزمات العالم. والأوروبيون لا يزالون يقفون وراء معاناة الفلسطينيين وهم من لا يزالون يقفون وراء معاناة الأوكرانيين. الأوروبيون يرمون بأزماتهم تاريخياً على الآخرين، ظناً منهم أنهم نجحوا بالتخلص من الأزمة وكعقيدة سياسية لديهم وهي إشغال جيرانهم وإغراقهم بمشكلات لا تنتهي، ليعيش الأوروبيون وأوروبا بأمن وسلام، وليحترق بعد ذلك العالم. ليس مهماً ما يعانيه الشعب الفلسطيني أو الشعب الأوكراني، طالما أن الأول يخلّص أوروبا من اليهود والثاني يشاغل الروس ويستنزفهم!

ما يعانيه الشعب الفلسطيني والشعب الأوكراني والعديد من شعوب العالم هو في الأصل نتيجة مباشرة لعدم محاسبة الأوروبيين عما تسبّبوا به إبان الحقبة الاستعمارية لتلك الشعوب والدول وما ارتكبوه بحقهم من فظاعات يندى لها الجبين، ونتيجة طبيعية لعدم إلزام المجتمع الدولي للمستعمرين الأوروبيين بالاعتراف بمسؤوليتهم عن كل الفظاعات التي ارتكبوها وإلزامهم بدفع تعويضات عن كل ما تعرّضت له تلك الشعوب المنكوبة ولا تزال تعانيه إلى اليوم وفي المستقبل. وهذا ما يفسر تمترس الأوروبيين خلف أسوار ما يسمى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو وذلك للحيلولة دون فتح ملف الاستعمار الأوروبي والذي لو فُتح لأصبحت الدول الأوروبية لا تختلف عن دول العالم الثالث.

عندما ضاقت المجتمعات الأوروبية ذرعاً باليهود، تخلصوا منهم تحت شعار وطن قومي لليهود في فلسطين، على حساب الشعب الفلسطيني الأصلي والأصيل، ليشغلوا ويشاغلوا العرب والمسلمين في ديارهم، لكي ينعم الأوروبيون بما سرقوه مادياً ومعنوياً، وليحترق بعد ذلك العرب والمسلمون. وعندما ضاقت أوروبا بمشكلاتها الاقتصادية وأزماتها الأمنية، افتعلوا الأزمة الأوكرانية وأحرقوا الأوكرانيين في سبيل إشغال مجتمعاتهم عن المشكلات الحقيقية ولمشاغلة روسيا واستنزافها.

ستستمر معاناة الشعب الفلسطيني وستستمر معاناة الشعب الأوكراني، ما دام الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو قائمين. والأمل كل الأمل هو بتفكيك المنظومات الأوروبية، لينعم العالم الجديد بالأمن والسلام والازدهار بعيداً عن المكائد والحيل والألغام التي يضعها الأوروبيون في طريق أي حل تقوم به الإدارة الأمريكية للأزمة الروسية الأوكرانية.

من هنا، يرى كثير من المحللين والمهتمين، أن الأزمة بين الأوروبيين والأمريكيين في الملف الأوكراني، مرشحة لأن تتفاقم، وهو ما قد يسفر عاجلاً أو آجلاً إلى تفكك حلف الناتو، وهو ما جاء على لسان بعض مسؤولين أمريكيين، بل إن الاتحاد الأوروبي نفسه مرشح للتفكك وتقويض هذه المنظومة المهترئة اقتصادياً وسياسياً إلا من العقلية الاستعمارية العنصرية. ناهيك عمّا تعانيه دول الاتحاد الأوروبي من تحديات حقيقية تتمثّل بالتراجع الحاد في نسبة المواليد والخصوبة إلى ما دون المستويات الطبيعية، بجانب تنامي معدلات المهاجرين ونسب اللاجئين الذين يعتقد أن تهيمن نسبتهم خلال السنوات القادمة على أعداد السكان في دول الاتحاد.

لعل الإدارة الأمريكية تدرك قبل فوات الأوان وقبل انتهاء فترة الرئيس دونالد ترمب، الذي يبدو أنه متحمس لإنهاء أكبر عدد من الحروب والأزمات خلال فترة رئاسته، أن الحل الجذري والحقيقي للأزمة الفلسطينية لا يكون إلا بترحيل ونقل وإعادة الإسرائيليين من فلسطين إلى بلدانهم الأوروبية في أوكرانيا وبولندا وروسيا البيضاء وإيطاليا وغيرها، لكي تعود نسبة السكان الأوروبيين في أوروبا إلى وضعها الطبيعي، من خلال إعادة ما يسمى بالإسرائيليين إلى بلدانهم الحقيقية في أوروبا، بعيداً عن بلاد العرب والمسلمين التي يشعر الكيان بالخوف والرعب للبقاء بينهم محتلاً لبلدانهم، ولكي تنعم أوروبا بمعدلات مواليد طبيعية من السكان الأوروبيين الأصليين مقارنة بأعداد المهاجرين واللاجئين الأجانب المرشحة أعدادهم للتزايد في ظل التناقص الحاد للمواليد والخصوبة بين الأوروبيين الأصليين في عدد من الدول الأوروبية، ولكي تنعم في المقابل فلسطين والوطن العربي بالأمن والسلام والاستقرار والرخاء والازدهار بعيداً عن تلك العناصر الإجرامية التي لا يمكن أن تعيش في مجتمعات طبيعية ولا يمكن أن يتقبلها ويتعايش معها أي مجتمع بشري سوي لشدة عنصريتها وإجرامها وخطورتها على العالم.

00:08 | 16-12-2025

هل يعود الإعلام الرسمي أقوى بعد تسونامي التزييف؟

رغم الاعتماد الجزئي للإنترنت والمنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي على محتوى الإعلام التقليدي ومنه الرسمي مباشرة أو غير مباشرة سواء المقروء منه أو المسموع أو المرئي في كثير من مخازنها المعرفية وخزائنها المعلوماتية وبياناتها، إلا أن هناك قناعة بدأت تتشكّل وتتبلور لدى الكثير من المهتمين بالعمل الإعلامي والممارسين له والمتخصصين والخبراء في مجال الإعلام والأكاديميين بأن الإعلام الرسمي (الإذاعة والتلفزيون والصحافة) ربما يلفظ أنفاسه الأخيرة وأنه ينحسر ويتآكل بوتيرة متسارعة، وأن أغلب المتوفر منه يعيش في غرفة الإنعاش ومن خلال المغذيات المتمثلة بالدعم الحكومي وبعض شرائح المجتمع التي لا تزال ترتبط بهذا النوع من الإعلام، رغم زحف منصات رقمية وشبكات التواصل الاجتماعي واكتساحها لإمبراطوريات الإعلام التقليدية وسحبها البساط من تحت أقدامه. وأن هذا الدعم الحكومي لو قُطع عن الإعلام الرسمي لتوقفت عنه الحياة وانقطعت أنفاسه.

كان لافتاً تدشين الرئيس الروسي فلاديمر بوتين تلفزيونRT الروسي بالهند في زيارته الأخيرة إلى نيوديلهي، وقد حظي هذا التدشين بتغطيات عالمية واسعة، بجانب النتائج والاتفاقات العسكرية والاقتصادية والتجارية التي أسفرت عنها الزيارة. فلماذا تدشن روسيا قناة RT الهندية في زمن ساد فيه الاعتقاد بأن انتشار المنصات الرقمية وهيمنة شبكات التواصل الاجتماعي على المشهد الإعلامي، قضى ربما نهائياً على الإعلام الرسمي وألغى دوره وتأثيره؟

يصف الرئيس الروسي الخطوة بأنها «حدث مهم وذو دلالة بالغة»، وأنها تعد خطوة نوعية في تعزيز الحوار الإعلامي والثقافي بين روسيا والهند، ووسيلة لتقديم رؤية موضوعية ومتوازنة حول القضايا الدولية، بعيداً عن الأطر الأحادية السائدة في المشهد الإعلامي العالمي.

كما أن الرئيس الروسي «يعوّل كثيراً على أن تساهم RT في توجيه الرأي العام في كلا البلدين نحو القضايا والأولويات الأساسية في مسار تعاونهما الإستراتيجي»، معتبراً أن إطلاق النسخة الهندية من RT سيفتح الباب أمام ملايين المواطنين الهنود للاطلاع بشكل أقرب وأدق على واقع روسيا -سياسياً واقتصادياً وثقافياً- بعيداً عن التشويه أو التحيّز، وهو ما يسهم في بناء شراكة قائمة على المعرفة المتبادلة والاحترام المتبادل. يأتي هذا التصريح عن أهمية الإعلام الروسي الذي يحمل السردية الروسية بين السرديات العالمية المختلفة والتي يحمل كل منها سرديته الملازمة لمشروعه ورؤيته.

إن فوضى المعلومات وقلب الحقائق وتزييفها التي تعيشها البشرية والمجتمعات بسبب التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، تشير بوضوح للانتكاسة والأضرار البالغة التي قد نُمنى بها في المستقبل القريب على مستوى الفرد والمجتمع والدولة والأمة والبشرية.

يجب أن يكون الإعلام الرسمي هو الشغل الشاغل للحكومات والدول ووزارات الإعلام في المرحلة القادمة. لأن هذه الفوضى التي تسبّبت بها المعلومات المزيفة والمعلومات المنقوصة والمعلومات المغلوطة والمعلومات غير الدقيقة والمعلومات المشوهة والمعلومات المتضاربة والمعلومات الفائضة والمعلومات مجهولة المصدر والمعلومات الموجهة كلها تعكس وجهاً واحداً وهو الفوضى سواء بحسن نية وهو قليل أو بسوء نية وهو الغالب من خلال أجهزة استخبارات أصبحت تتحكم بعلاقات الشعوب فضلاً عن علاقات الحكومات.

كما أن الحرب على غزة خلال السنتين الماضيتين جسدت حجم التضليل والكذب والتزوير الذي يلعبه الإعلام الغربي في سبيل تشويه العرب والمسلمين والحقوق الفلسطينية، في المقابل يقوم بتلميع الكيان وإخفاء التواطؤ للدول الغربية مع هذا الكيان الاستعماري النازي المجرم في المنطقة العربية والحقوق العربية.

في كل هذه التحوّلات والتغييرات الرقمية والإعلامية، ولما للإعلام الرسمي من دور مهم في كشف التزييف وتوثيق المعلومات وتوسيع دائرة المعرفة، لابد من رسالة لوزارة الإعلام في المملكة بأن تدرس الخيارات والإمكانات والمعطيات لحماية هذه الأجيال والأجيال القادمة في المملكة وفي المجتمعات الشقيقة والصديقة من تسونامي التزييف وتغيير الحقائق وإعادة تشكيل المستقبل، بعدما تأكد أن الإعلام الرسمي لن ينقرض وأن وجوده ضرورة وطنية وأخلاقية تمليها وتقتضيها القيم والمصالح، ناهيك عن أهمية حماية الفرد صحياً ونفسياً من المخاطر والأضرار البليغة التي بدأت تتكشف تشخيصاتها مما يسمى بـ«التعفن الدماغي» الناتج عن إدمان المقاطع القصيرة وما تتسبّب به من إضعاف للقدرات الإدراكية للإنسان وتشتيت التركيز لديه.

00:01 | 9-12-2025

تدوير رؤساء الجامعات السعودية بين التكامل والتنافس

مرت الجامعات السعودية بمحطات تاريخية مهمة بدءاً بنواة التعليم العالي سنة 1927 ثم تأسيس أول جامعة سعودية 1957 ثم التوسّع الإقليمي بفروع الجامعات، بعدها مرحلة الجامعات التخصصية ثم مرحلة جامعات المناطق، تلتها مرحلة التنافس والتصنيفات الدولية وصولا إلى المرحلة الحالية وما ترتكز عليه من حوكمة واستقلالية مالية وابتكار واستدامة.

المرحلة الحالية تتطلب قيادات جامعية متمكّنة، تستطيع مواكبة التغييرات التي تعيشها المملكة وضبط بوصلة التغيير بما يحقق مستهدفات الجامعة بالتماهي والانسجام مع مستهدفات رؤية المملكة. المتابع لأداء الجامعات في الفترة الأخيرة، يستطيع أن يرى بوضوح الجامعات التي استوعبت دورها وتموضعت، حيث يجب أن تكون محلياً وعالمياً، كما يستطيع في الوقت عينه، أن يرى جامعات لا تزال تغرد خارج السرب وتعمل ربما بلا بوصلة بل وتتمترس خلف إدارة جامعية خارج الزمن، عاجزة عن التموضع والمواكبة والتفاعل والانسجام مع الإيقاع العام للتغيير والتنمية كما هو في معظم الجامعات.

هذه المرحلة لا تحتمل الجامعة مثل هذه الفقيرة إدارياً وقيادة، لأن تعطيل أي جامعة في هذه المرحلة سوف يترتب عليه تعطيل دائرة قطرها مجتمع الجامعة خاصة جامعات المناطق، كما يترتب عليه إخراج فئات كبيرة من المجتمع خارج زمنها، في الغالب بسبب مدير جامعة ليس لديه ما يقدمه.

من هنا يصبح التدوير الإداري مطلباً أكاديمياً وتنموياً وإدارياً ملحاً، يتبيّن من خلاله ما إذا كان قصور الجامعة إدارياً وليس لسبب آخر، كما أن التدوير يحقق تلاقح التجارب القيادية للجامعات السعودية وتبادل النجاحات في فترة وجيزة، ويصقل المهارات القيادية الفردية لبعض المديرين، غير القادرين على تموضع جامعاتهم، وفي نفس الوقت يمكن أن يكون التدوير فرصة أخيرة لبعض رؤساء ومديري الجامعات المفلسين إدارياً وقيادياً، بالتخلص منهم.

يعد التدوير أحد أفضل أدوات نقل التجارب بين الجامعات وبالذات فيما يرسّخ ويعزز كل ما يدعو للتكامل بين الجامعات وكل ما يدعو للتنافس فيما بين الجامعات.

فهل العلاقة بين الجامعات السعودية هي علاقة تكاملية ومتى تصبح العلاقة تنافسية بين الجامعات؟ يمكن القول إن التكامل بين الجامعات يعني توزيع أدوار، بينما يعني التنافس بين الجامعات تحسين الأداء داخل كل دور. وهذا يعيدنا لما سبق وأن تناولته في مقالات سابقة وهو أن يكون لكل جامعة سعودية هوية أكاديمية بحثية اقتصادية حتى لا تتكرر الجهود وتلعب الجامعات أدوار بعضها بعضاً.

تتكامل الجامعات عندما يكون هدفها اجتماعيا ومعرفيا، وتتنافس الجامعات في البحث عن التصنيفات والسمعة الأكاديمية. تتكامل عندما تراعي الجامعات اختلاف التخصصات لكل جامعة بما يميّزها ويجعلها تتفرد عالمياً، فلا تتشابه تخصصاتها مع تخصصات جامعة محلية أخرى، وإن كانت بعض التخصصات تتكرر في معظم الجامعات، إنما المقصود أن تتميّز به جامعة واحدة فقط. التكامل أن تركز جامعة الملك سعود على التخصصات الطبية والصحية، وأن تركز جامعة الملك فهد للبترول والمعادن على الهندسة والطاقة والبحث الصناعي، بينما تركز جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) على أبحاث متقدّمة في الذكاء الاصطناعي والعلوم البحرية والطاقة. وهكذا تصبح كل جامعة مميّزة ومتفردة في مجالها بدل منافسة الجميع في كل شيء.

ومن هنا يكون التنافس بأن تنافس كل جامعة لتكون الأفضل داخل مجالها وليس بتقليدها غيرها مثل نشر الأبحاث جذب العقول والمواهب وعقد الشراكات الصناعية وتبني الابتكارات وريادة الأعمال بذلك تنتقل الجامعات السعودية من جامعات مكررة إلى منظومة تتكامل داخلياً وتنافس عالمياً.

00:10 | 2-12-2025

هل ينسف التواصل الاجتماعي.. نظريات علم الاجتماع؟

هل كان ابن خلدون، أبو علم الاجتماع، سيتصالح مع شبكات التواصل الاجتماعي، من منظوره العلم الذي يعد أساساً لكل العلوم الإنسانية بما فيها علم السياسة وعلم الاقتصاد وعلم النفس والأنثروبولوجيا والإعلام والتربية والقانون؟

يرى ابن خلدون أن المجتمع يقوم على العصبية والعمران والتغيير الدوري للمجتمعات، فالأسرة والمجتمع والمؤسسات المجتمعية أساس علم الاجتماع ومحور اهتمام نظريات علم الاجتماع. إذاً فعلم الاجتماع كما هو معروف محاولة فهم النظم والقيم والمعاني والرموز الاجتماعية، مثلما أنه يهتم بالعلاقة بين المجتمع والأفراد، وتأثير كل منهما في الآخر، وما إذا كانت العلاقات بين قوى المجتمع قائمة على التعاون أم على القوة و الصراع؟

بالإضافة جانب تفسير السلوكيات والظواهر الاجتماعية والفجوات بين الأجيال وذوبان الهويات الثقافية وانصهارها. فهل ما زالت نظريات علم الاجتماع صالحة لدراسة الأسرة والمجتمع والمؤسسات الاجتماعية التي تفككت أو هي في طريقها للتفكك والذوبان وفقاً للمعطيات والمؤشرات؟

يقول عالم الاجتماع الفرنسي ألان تورين بجرأة عالية، في كتابه «نهاية المجتمعات»، إن النموذج الاجتماعي الذي حكم تفكير البشرية منذ القرن التاسع عشر قد وصل في عالمنا إلى نهايته. لقد تهشّمت الروابط الجماعية في عالمنا، وتراجعت فاعلية الدول والمجتمعات والمؤسسات الاجتماعية، وتقدّمت فيه الفردية إلى مركز الفعل والتفاعل.

ويؤكد تورين أن المستقبل لن يبنى على «المجتمع» ككتلة متجانسة، إنما يتم بناؤه على الذات الفاعلة التي تبحث عن المعنى والتي تخوض صراعاتها في جبهات لا علاقة لها بالمجتمع والمؤسسات الاجتماعية المتعارف عليها.

فكيف يعمل إذاً علم الاجتماع، في ظل غياب المجتمعات وتفكك الأسرة والتجمعات البشرية. وكيف تعمل نظريات علم الاجتماع في عصر باتت فيه الأسرة والمجتمع وكافة المؤسسات الاجتماعية خارج السياق الاجتماعي أو هي في طريقها للتفكك والتشظي والذوبان في ظل استفحال العلاقات الافتراضية شبه المجهولة، وفي ظل استشراء التفاعل مع الجماعات الافتراضية العالمية ذات الاهتمام المشترك، ثم كيف يعمل علم الاجتماع تحت وطأة التأثير والمؤثرين الافتراضيين؟

هل لا يزال علم الاجتماع ونظريات علم الاجتماع صالحة للتعامل مع الحالة غير الاجتماعية الحالية والمستقبلية المتفاقمة، التي تنذر بنهاية عصر «الأسرة» ونهاية عصر «المجتمع»؟ وهل يكون ذلك مؤشراً لنهاية عصر علم الاجتماع «أبو اللوم الإنسانية» وما مصير تخصصات علم الاجتماعات في الجامعات؟ وهل علم اجتماع الإنترنت وعلم اجتماع الخوارزميات امتداد لعلم الاجتماع المألوف والمعروف أم أنها مجرد محاولات النفس الأخير لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، التي فرضها حجم الصدمة ونوع الأزمة، والبروتوكولات الأكاديمية وترقيات الكادر الأكاديمي؟

00:10 | 25-11-2025

هل تأخرت جامعاتنا في الاستجابة للتخصصات الهجينة..؟!

قد لا تصمد التخصصات والمسارات التعليمية الجامعية طويلاً أمام زحف منتجات التقنية وضغط محركات سوق العمل. فمخرجات التعليم لم تعد قرار الجامعات وحدها، وتغيير هوية أغلب التخصصات والمسارات ومسمياتها وعناوينها لم يعد شأناً أكاديمياً صرفاً يختص به القسم والكلية والجامعة، وذلك تحت زحف منتجات التقنية وضغط محركات سوق العمل وعوامل أخرى كثيرة متفرعة عنها أو متأثرة بها باتت تفرض التغيير من خارج أسوار الجامعة.

بات من المسلّمات أن الذكاء الاصطناعي لا يغيّر الأدوات فحسب، بل هو يعيد تشكيل هوية التخصصات الأكاديمية والمهن، وهندسة العمل البشري. كما أن المسار العلمي لم يعد خطاً مستقيماً، بل مرن وتفاعلي ومتداخل بين مجالات متعددة يقوم ويرتكز على المهارات.

ما بين تفتيت المهن والتخصصات وإعادة بنائهما، فمهنة الطبيب أو تخصص الطب على سبيل المثال سيصبح مع البرمجة طبيباً رقمياً، ومحللاً للبيانات الصحية، وجراحاً روبوتياً. وكذلك الحال مع القاضي والمحامي والمهندس والإعلامي والتقني. عندئذ يصبح السؤال ليس (ما تخصصك؟) بل (ما مجموعة المهارات المتقاطعة والمتداخلة التي تمتلكها؟).

فأي الجامعات السعودية الأكثر جرأة لأخذ هذه الخطوة باتجاه التخصصات الهجينة؟ وهل تكون الجامعات العريقة هي المرشحة للمبادرة بحكم خبرتها ومرجعيتها التاريخية واستقلالية بعضها مالياً وإدارياً، بجانب قدراتها وإمكاناتها اللوجستية، أم أن الخطوة الجريئة ستقوم بها الجامعات الفتية التي تبحث عن تسجيل مجد لها وموقع بين الجامعات؟ وهنا أعود لطروحات سبق أن ناديت بها في مقالاتي عبر «عكاظ»، وهي أهمية وضرورة أن يكون لكل جامعة سعودية هوية أكاديمية وبحثية، وبالتالي اقتصادية، وهذا التفكير نفسه ناديت به على مستوى المناطق الإدارية السعودية الثلاث عشرة، وأهمية بلورة هويات اقتصادية لكل منها.

أخيراً، لعل هيئة تقويم التعليم تؤسس لهذا التوجه ليكون متوفراً ومتاحاً أمام كافة الجامعات ووفقاً للهويات الأكاديمية البحثية الاقتصادية الخاصة بكل جامعة تتبنى الجامعات ما يناسبها من التخصصات والمسارات الهجينة وإعادة هندسة التخصصات والمسارات الجامعية الخاصة بكل جامعة في ضوء ذلك وتبعاً لسوق الموارد البشرية الخاص بكل جامعة.

00:10 | 18-11-2025

وليمة التواصل ومجاعة العلاقات النفسية الاجتماعية..!

تقرع منظمة الصحة جرس الخطر، في تقرير لها من تدهور العلاقات الاجتماعية وانتشار العزلة وتفاقم مؤشرات الوحدة، وتحذر من تأثيرات وتداعيات كل ذلك على الصحة الاجتماعية والنفسية والصحة العامة ككل. وما يثير الاستغراب، حقيقة، أن هذه الظاهرة تأتي في الوقت الذي بلغت فيه كمية ونوعية وسائل الاتصال التي توفرها ذروتها. فلماذا تدهورت العلاقات الاجتماعية والروابط البشرية فهل إذا وصلت فيه وسائل الاتصال ذروتها، تتدنى وتتردى الروابط والعلاقات الاجتماعية بين البشر.

لماذا لم تتأثر العلاقات الاجتماعية إيجابياً وتتعمق الروابط الاجتماعية وتتحسّن نفسية الفرد بكثرة تنوع وسائل الاتصال الاجتماعية الحديثة؟ هل وسائل التواصل الاجتماعي سبب في ما وصلته الحالة النفسية الاجتماعية للإنسان حسب تقرير الصحة العالمية بأن واحداً من بين كل ستة أشخاص يعاني من الشعور بالوحدة، ولماذا أصبحت الوحدة بين الشباب والمراهقين أكثر منها بين كبار السن وإن كانت خطورتها على كبار السن أكثر؟

قد تكون ظاهرة التواصل الاجتماعي أحد أسباب الحالة التي يعاني منها الشباب والمراهقون، لكن المؤكد أن هناك ظواهر أخرى أسهمت في انتشار هذه الظاهرة المقلقة والمخيفة على المدى القصير والمتوسط.

كما أن هناك اعتقاداً بأن تجربة كورونا والعزلة التي صاحبتها أسهمت في ما وصله الفرد والمجتمع من تدهور نفسي اجتماعي بما في ذلك من انحدار مستوى العلاقات الاجتماعية، كما يرى البعض أن «النيوليبرالية» التي تطرّفت بتحريض الفرد بالاعتماد على نفسه فقط والاكتفاء الذاتي نتيجة للمبالغات العالية بالحرية الفردية، كانت من بين الأسباب الجوهرية التي فاقمت الإحساس الفردي المتزايد بالوحدة وما صاحبها من معاناة نفسية-اجتماعية، والتي كان من نتائجها حتماً تآكل الروابط الاجتماعية الطبيعية التي لا غنى للإنسان الطبيعي عنها والعيش بدونها، والتي تمنح الإنسان الطبيعي المعنى والهوية والانتماء.

كما أنه ليس من باب المصادفة أن يربط البعض تأثيرات صعود الرأسمالية بما أحدثته وتحدثه من تغييرات عميقة في نفس الفرد وروابط المجتمع من تأثيرات، بما تنطوي عليه من حمى ثقافة الإنجاز الفردي المستمر والركض المحموم في دواليب الإنتاج، ما أدى ويؤدي إلى تحويل الوقت والجهد إلى أموال لا تهدر في عرف الرأسمالية، بما يعزز تضخم الفردية والتنكر لدور الآخرين.

يبدو أن الأمر ليس عابراً أو محدوداً، وهو ما جعل الصحة العالمية تعتبر «الوحدة والعزلة الاجتماعية» أكثر خطورة على الصحة من التدخين أو السمنة لارتباطهما بمخاطر على أمراض القلب والسكتات الدماغية والخرف والموت المبكر. وهو الأمر الذي دفع بعض الدول لتعيين وزراء مختصين بـ«شؤون الوحدة»، لما يعكسه الوضع من قلق متزايد للظاهرة التي قد تقوض العلاقات الاجتماعية السلمية، وتنسف مقومات النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي.

المجتمعات العربية، ومنها المجتمع السعودي، كغيرها من مجتمعات معرّضة لهذه الظواهر، خاصة أن الإحصاءات تتحدث عن أن السعوديين يقضون حوالي 3 ساعات على التواصل الاجتماعي مقارنة بالمعدل العالمي حوالي ساعتين و24 دقيقة، بالإضافة إلى معدل التغيير الذي تمر به المملكة على مختلف الأصعدة والذي يتطلب دراسات معمقة ومركبة ومستمرة لدراسة حجم وتأثير الظاهرة وتداعياتها على المديين المنظور والبعيد.

كما أننا بحاجة لخطوة استباقية في المملكة ربما تأسيس هيئة تحت عباءة مجلس شؤون الأسرة لتقديم الحلول والإجراءات والتشريعات الضرورية للتخفيف من حجم الظاهرة ومعالجة آثارها السلبية لو وجدت، بالإضافة لميزانية تخصص للدراسات والحلول المبتكرة في هذا الصدد.

00:08 | 11-11-2025